وهبة الزحيلي
118
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فلما بدأ بتحقيق الأمر ، وأهوى بالمدية إلى ذبح ولده ، ناداه اللّه بالكفّ ، وأن هذا العمل منه يكفي تصديقا للرؤيا ، ورأى إبراهيم كبشا قريبا منه ، فذبحه فدية عن ولده ، ولم تعين الآيات اسم ذلك الولد ، ولكن سياق الآيات ، وتبشير إبراهيم بإسحاق بعدها ، يدل على أن الذبيح إسماعيل ، وذلك في الآيات من سورة الصافات [ 99 - 113 ] ، وفيها : فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ [ 101 ] ، ثم قال : وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ [ 108 ] ، والضمير يعود إلى الذبيح . ثم قال : وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [ 112 ] ، فالإتيان بالبشرى بإسحاق بعد ذكر قصة الذبيح صريح في أن إسحاق غير الغلام المأمور بذبحه ، وعود الضمير إلى الغلام الذبيح ، وذكر اسم إسحاق معه صريحا يقتضي التغاير بين الذبيح وإسحاق . ويرى اليهود أن إسحاق هو الذبيح ليفتخروا بأن أباهم هو الذي جاد بنفسه في طاعة ربه ، وهو في حالة صغره . والدليل على أن الذبيح إسماعيل من التوراة نفسها : أن الذبيح وصف بأنه ابن إبراهيم الوحيد ، والإقدام على ذبح الولد الوحيد هو الإسلام بعينه ، أي الطاعة والامتثال ، ولم يكن إسحاق وحيدا لإبراهيم في يوم من الأيام ؛ لأن إسحاق ولد ، ولإسماعيل أربع عشرة سنة ، كما هو صريح التوراة ، وبقي إسماعيل إلى أن مات إبراهيم ، وحضر إسماعيل وفاته ودفنه . وذبح إسحاق يناقض وعد اللّه لإبراهيم أن سيكون له ابن هو يعقوب . ثم إن مسألة الذبح وقعت في مكة ؛ وإسماعيل هو الذي ذهب به أبوه إليها رضيعا ، كما في حديث البخاري الآتي « 1 » ، وعند الزمخشري في الكشاف حديث : « أنا ابن الذبيحين » رواه الحاكم في المناقب .
--> ( 1 ) قصص القرآن للأستاذ عبد الوهاب النجار 101 - 103